كيف تقرأ الكتاب المقدس – للأب متى المسكين

  • PDF

 

الكتاب المقدس بالنسبة للقارئ يختلف عن كل كتاب أخر , لآن كل كتاب هو من وضع الإنسان , أما الكتاب المقدس فهو فوق أنة يحوى أقوال الله و وصاياه أقوال الله و وصاياه فان كل ما كتب فيه موحى به أيضا من الله , فالله في الحقيقة هو صاحب , و هو معطية للإنسان ليكون له طريقا إلى الحياة الأبدية .


و في العهدين , و لو إن الكلام و الحوادث و التاريخ و كل القصص تدور حول الإنسان , إلا أن الله هو الحقيقة المستورة , فالكتاب في الواقع يصف الله و يعلنه من خلال الحوادث . و لكن لا تكتمل الصورة في جيل أو في سفر و لا على طول المدى المتسع , فبمنتهى الضغط و الصعوبة استطاع الكتاب أن يعطى للإنسان صورة ذهنية بسيطة عن الله في مدى خمسة ألاف سنه , باحتكاكه المباشر مع الإنسان .

على أنه لم يحرم أي إنسان في كل جيل أن يلتقط بالإلهام شيئا عن الله كفاه و أشيعه , حتى ظن كل واحد في غمرة فرحة و ابتهاجه أنة عرف الله و احتواه , و لكن كل من حاول باجتراء العقل ان يرتأى فوق قامتة البشرية المحدودة لكي يبحث عن الله في ذاتة ليدركه في صورتة الكاملة , عجز و تحطم و خسر القليل الذي يناسب قامتة

فعسير على الإنسان كل العسر أن يدرك من لا بداية أيام له و لا نهاية , فالله كامل مدرك و لكن لا يدرك كمالة , و هكذا أيضا كل أعمالة .

و بجوار إعلان الله و تقديمه , يحاول الكتاب بكل الطرق أن يعد لقبول الله إعدادا داخليا , و إن كان في الظاهر يتراءى أن الإنسان يسعى نحو الله , و لكن الحقيقة المفرحة و العجيبة أن الله هو الذي يأتي إلى الإنسان , كمحب و أب شديد المحبة ” إن أحبنى أحد يحفظ كلامي و يحبه أبى و إلية نأتي و عنده نصنع منزلا ” ( يو 4 : 23 ) . لذلك يوصينا الرب أن نكون في قلبنا مستعدين لهذا المجئ المبارك ” قلبي مستعد يا الله قلبي مستعد .” ( مز 57 : 7 ) .

و بذلك نرى أن الكتاب , فى مجموعة , يعلن الله سرا و يعدنا لاستقباله قلبيا , لنحيا معه منذ الآن , كعمل مسبق لما سيكون في نهاية الأيام حينما يستعلن الله جهارا و نستقبله بوجه مكشوف لنحيا معه إلى الأبد .

اما القراءة فهى نوعين
النوع الأول : و فيه عندما يقراء الإنسان , يجعل نفسه و عقله يسودان على الكلام , محاولا أن يخضع المعنى لإدراكه الشخصي , ثم يتحكم في المعنى بالقياس على المدركات الأخرى .
النوع الثاني : و فيه عندا يقراء الإنسان يجعل الكلام في مستوى أعلى من نفسه , محاولا أن يخضع عقله للمعنى , بل و يجعل المعنى يتحكم فيه شخصيا كقياس أعلى لا يدانيه أخر .
و القراءة الأولى تصلح لكل كتاب من كتب العالم , علمية و الأدبية .
و القراءة الثانية لا غنى عنها و لا بديل لها بالنسبة للكتاب المقدس .
فالقراءة الأولى تجعل الإنسان سيد العالم كوضعه الطبيعي .
و القراءة الثانية تجعل الله سيد الإنسان , كخالق كلى الحكمة و القوة .
و لكن إذا خلط الإنسان بين القراءتين يخسر في الوضعيين , فان هو قرأ العلم و الأدب كما يقراء الإنجيل , صغر الإنسان و انحصرت قدرته العلمية و اضمحلت هيبته في وسط الخليقة .
و إن هو قرأ الكتاب المقدس كما يقراء العلم , صغر الله في عقلة و وجدانه و انحصر الإله و اضمحلت هيبته , أحس الإنسان في نفسه بسيادة وهمية على الإلهيات و هذا هو المحظور الذي وقع فيه ادم قبلا .

من نبذة “كيف تقرأ الكتاب المقدس” – للأب متى المسكين – الطبعةالثامنه